ابن الحسن النباهي الأندلسي

94

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

أن ابتنى مدينة الزهراء ، البناء الذي شاع ذكره : استفرغ وسعه في تنميقها ، وإتقان قصورها ، وزخرفة مصانعها . فانهمك في ذلك حتى عطّل شهود الجمعة بالمسجد الجامع الذي اتّخذه ثلاث جمع متوالية ؛ فأراد القاضي منذر أن يغضّ منه بما تناوله من الموعظة بفضل الخطاب والحكمة والتذكرة بالإنابة والرجعة ؛ فأدخل في خطبته فصلا مبتدئا بقوله : أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ . وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ! فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ! وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ ! أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ . وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ « 1 » ولا تقولوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ « 2 » . فمتاع الدنيا قليل ، والآخرة خير لمن اتّقى ! وهي دار القرار ، ومكان الجزاء » ووصل ذلك بكلام جزل ، وقول فصل ، ومضى في ذم تشييد البنيان ، والاستغراق في زخرفته ، والإسراف في الإنفاق عليه ؛ فجرى طلقا ؛ وانتزع فيه قوله تعالى أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ « 3 » إلى آخر الآية . وأتى بما يشاكل المعنى من التخويف بالموت ، والتحذير من فجاءته « 4 » ، والدعاء إلى الزهد في هذه الدار الفانية ، والحضّ على اعتزالها ، والرفض لها ، والندب إلى الإعراض منها ؛ والإقصار عن طلب اللّذات ، ونهي النفوس عن اتّباع هواها . فأسهب في ذلك كلّه ، وأضاف إليه من آي القرآن ما يطابق ، وجلب من الحديث والآثار ما يشاكله ، حتى اذّكر من حضره الناس « 5 » وخشعوا ، ورقّوا ، واعترفوا ، وبكوا ، وضجّوا ، ودعوا ، وأعلنه في « 6 » التضرّع إلى اللّه في التوبة ، والابتهال في المغفرة ، وأخذ خليفتهم من ذلك بأوفر حظّ ، وقد علم أنه المقصود به ؛ فبكى ، وندم على ما سلف له « 7 » ، واستعاذ باللّه من سخطه ، إلّا أنه وجد على منذر بن سعيد لغلظ ما تقرّعه « 8 » به ؛ فشكا ذلك لولده الأمير الحكم بعد انصرافه ، وقال :

--> ( 1 ) سورة الشعراء 26 ، الآيات : 128 - 135 . ( 2 ) سورة الشعراء 26 ، الآية : 136 . ( 3 ) سورة التوبة 9 ، الآية : 109 . ( 4 ) في نفح الطيب : « فجأته » . ( 5 ) في نفح الطيب : « حتى أذكر من حضره من الناس . . . » . ( 6 ) كلمة « في » ساقطة من نفح الطيب ( ص 571 ) . ( 7 ) في نفح الطيب : « سلف له من فرطه » . ( 8 ) في نفح الطيب : « ما قرّعه به » .